أحمد مصطفى المراغي
29
تفسير المراغي
تفسير المفردات الكتمان تارة يكون بستر الشيء وإخفائه ، وتارة أخرى بإزالته ووضع آخر مكانه ، واليهود فعلوا في التوراة كليهما ، فقد أخفوا حكم رجم الزاني ، وأنكروا بشارة التوراة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتعسفوا في تأويل ما ورد فيها من ذلك على وجه لا ينطبق على محمد عليه السلام ، وكذلك فعلوا بالدلائل الدالة على نبوّة عيسى عليه السلام وزعموا أنها لغيره ، وأنهم لا يزالون إلى الآن ينتظرونه ، والبينات : هي الأدلة الواضحة الدالة على أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى الرجم ، وتحويل القبلة ، والهدى هو ضروب الإرشاد التي فيها ، والكتاب يراد به الكتب المنزلة جميعا ، واللعن : الإبعاد والطرد ، ولعن اللّه الإبعاد من رحمته التي تشمل المؤمنين جميعا في الدنيا والآخرة ، واللاعنون : هم الملائكة والناس أجمعون ، ولعنهم لهم دعاؤهم عليهم بالإبعاد من رحمة اللّه ، تابوا : أي رجعوا عن الكتمان ، وأصلحوا : أي أصلحوا أعمالهم وأرشدوا قومهم إلى تلك الآيات البينات عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ودينه والهدي الذي جاء به ، وبينوا : أي جاهروا بعملهم الصالح وأظهروه للناس حتى يمحوا عن أنفسهم سمة الكفر ويكونوا قدوة لغيرهم ، خالدين : أي ماكثين في تلك اللعنة على طريق الدوام ، ومتى خلد فيها فقد خلد في عذاب النار الدائم ، ينظرون : أي يمهلون . المعنى الجملي لا يزال الكلام في عناد الكفار للنبي صلى اللّه عليه وسلم ومعاداتهم إياه ، ولا سيما اليهود ، فقد ذكر فيما سلف جحودهم وعنادهم له في مسألة القبلة ، وجاء في سياق ذلك أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وأن فريقا منهم يكتمون الحق وهم يعلمون .